أحمد مصطفى المراغي

30

تفسير المراغي

و ورد في الأثر - الحمد رأس الشكر ، ما شكر اللّه عبد لم يحمده . وقد جعله رأس الشكر ، لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على من أسداها ، يشهرها بين الناس ويجعل صاحبها القدوة المؤتسى به ، أما الشكر بالقلب فهو خفى قلّ من يعرفه ، وكذلك الشكر بالجوارح منهم لا يستبين لكثير من الناس . ( للّه ) هو المعبود بحق لم يطلق على غيره تعالى . ( رب ) هو السيد المربّى الذي يسوس من يربّيه ويدبّر شؤونه . وتربية اللّه للناس نوعان ، تربية خلقية تكون بتنمية أجسامهم حتى تبلغ الأشد وتنمية قواهم النفسية والعقلية - وتربية دينية تهذيبية تكون بما يوحيه إلى أفراد منهم ليبلّغوا للناس ما به تكمل عقولهم وتصفو نفوسهم - وليس لغيره أن يشرع للناس عبادة ولا أن يحلّ شيئا ويحرم آخر إلا بإذن منه . ويطلق الرب على الناس فيقال رب الدار ، ورب هذه الأنعام كما قال تعالى حكاية عن يوسف صلوات اللّه عليه في مولاه عزيز مصر ( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ) وقال عبد المطلب يوم الفيل لأبرهة قائد النجاشي : أما الإبل فأنا ربّها ، وأما البيت فإن له ربّا يحميه . ( العالمين ) واحدهم عالم ( بفتح اللام ) ويراد به جميع الموجودات ، وقد جرت عادتهم ألا يطلقوا هذا اللفظ إلا على كل جماعة متمايزة لأفرادها صفات تقربها من العقلاء إن لم تكن منهم ، فيقولون عالم الإنسان ، وعالم الحيوان وعالم النبات ، ولا يقولون عالم الحجر ، ولا عالم التراب ، ذاك أن هذه العوالم هي التي يظهر فيها معنى التربية الذي يفيده لفظ ( رب ) إذ يظهر فيها الحياة والتغذية والتوالد . والخلاصة - إن كل ثناء جميل فهو للّه تعالى إذ هو مصدر جميع الكائنات . وهو الذي يسوس العالمين ويربيهم من مبدئهم إلى نهايتهم ويلهمهم ما فيه خيرهم وصلاحهم ، فله الحمد على ما أسدى ، والشكر على ما أولى : ( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) قد سبق أن قلنا : إن معنى الرّحمن المفيض للنعم المحسن على عباده